|





|
من
علماء أهل السنة و دعاة عقيدة التوحيد في العراق
أبو الصاعقة عبد الكريم الشيخلي
الأزجي
|
هو العالم العلامة البحر الفهامة، بقية السلف
وحجة الخلف عالي السند ومحدث بغداد الأوحد والمسند الممجد، صاعقة
أوانه في حفظه واتباعه واتقانه الثقة الشيخ السيد:
عبد الكريم بن السيد عباس بن السيد ياس آل الوزير
الحسني نسباً، اليماني أصلاً، البغدادي الأزجي الشيخلي مولداً،
السلفي الأثري الرباني معتقداً ومنهجاً ومسلكاً،
جامع العلوم النقلية والعقلية من الآفاق، وناشر سنة المصطفى صلى
الله عليه وسلم و عقيدة السلف في العراق. وزارع بذرة شجرة الموحدين
وسط ظلمات الضالين، المعروف بالشيخ الصاعقة
ولادته: ولد ببغداد بمحلة باب الأزج "باب الشيخ" حالياً سنة:
1285هـ-1867م.
عائلته: نزحت عائلته وهي من الأشراف الحسنية من اليمن قبل 200 سنة
إلى حماة، ومن ثم استقرت في بغداد، ولم يبق منهم إلا أفراد معدودون.
ووالد السيد عبد الكريم: الحاج السيد عباس الشيخلي من أعيان بغداد،
وهو تاجر معروف وله مجلس أدب يحضره أكابر علماء بغداد وأعيانها.
نشأته: ولم يكن له من ذرية سوى ابنه السيد عبد الكريم، فراح يكلؤه
بالحفظ والرعاية والاهتمام. فمن صغره طوفه أبوه على أهل العلم في
بغداد فتعلم القراءة والكتابة والخط وتلاوة القرآن الكريم، ولما
كانت بغداد تحت حكم الدولة العثمانية وكانت تتخذ من الحنفية مذهباً
لها كان أكثر العلماء والقضاة والمفتين وطلاب العلم على نفس المذهب
فكان منهم أحد شيوخ المذهب في عصره يدرس في جامع الشيخ عبد القادر
الكيلاني الحنبلي رحمه الله تعالى، الفقه فجلس عنده الشيخ عبد
الكريم وجرى كلام حول مسئلة في الفقه الحنفي فذكر الشيخ الحنفي
أقوال أصحاب المذهب فيها "قال أبو حنيفة رحمه الله كذا وقال أبو
يوسف كذا، دون ذكر الدليل من السنة فقال له الشيخ عبد الكريم، وأين
قول رسول الله صلى الله عليه وسلم فأجابه: بأن المذهب هكذا وهو ليس
بمحدث، فنصح أباه أن يدفعه إلى أحد محدثي بغداد، فكان من أبيه أن
دفعه إلى علامة بغداد ومحدثها الشيخ الفقيه نعمان أفندي بن أبي
الثناء الآلوسي المفسر، وهو وإن كان في ظاهره حنفي المذهب ألا أنه
سلفي المعتقد، ناشر للسنة غير متعصب لقول أمام من الأئمة إذا خالف
السنة، حقاً " إن من سعادة الحدث والأعجمي أن يهديه الله لصاحب سنة"
قاله سفيان الثوري.
السلفية في العراق:
ولابد لي أن أتكلم ولو بإيجاز عن الأعلام السنية التي نشرت الفكر
السلفي في بغداد بعد ظلمات الجهل فوقها ظلمات الهوى فوقها ظلمات
الفسق ظلمات بعضها فوق بعض. والغارقون في بحر الظلمات هم الصوفية
والروافض والمتمذهبون والمتكلمون وغيرهم.
أن دعوة الأمام المجدد أبي عبد الله محمد بن عبد الوهاب بن سليمان
التميمي
رحمه الله تعالى لاقت صدى واسعاً في نجد والحجاز وغيرها من البلدان.
لكنها لاقت الرفض من روافض الإسلام. والله يأبى إلا أن يتم نوره
ولو كره الكافرون فكان من بعض علماء أهل بغداد خصوصاً أن تأثروا
بدعوة الحق إلى دين الله الخالص بمنهج النبي (وبفهم السلف الصالح،
ومنهم –على سبيل التمثيل لا الحصر -
العلامة المحقق عبد الله السويدي صاحب الردود على الرافضة.
والعلامة الأمام عبد الله بن محمود أبو الثناء الالوسي الحسيني
البغدادي صاحب "روح المعاني". والغالب أن يسير الفتى على نهج أبيه
فكان :-
نعمان الشبل من ذاك الأسد الهمام بل كانت الأسرة على هذه الجادة.
ودعوة الأمام المجدد محمد بن عبد الوهاب تزداد في قلوب هؤلاء
العلماء وغيرهم وهم وإن كانوا قلة، وتحارب كثرة من فلول المشركين،
لكن رمح التوحيد وسيف الحق المجيد ودرع السنة العتيد (لا تكسر)
بأذن الله جل وعلا. فما أن يموت عالم سني يخلفه عشرة أشد تمسكاً
وهم من زرعه وبنائه فهو أخذ كابر عن كابر.
ومن زرع نعمان: الشيخ عبد الكريم، فكان خير الوالد القلبي له، فراح
يطعمه من العلم ويمطره بوابل السنة. والشيخ نعمان –حُدٍّثا عنه أنه-
كان يستظهر الكتب الستة سنداً ومتناً،وله مؤلفات تدل على غزارة
علمه وصحة عقده لا يزال أكثرها مخطوطاً معرضاً للتلف أو السرقة فلا
حول ولا قوة ألا بالله العلي العظيم.
وكان من تلامذة نعمان أيضاً: علامة الدنيا الفقيه الأديب الشاعر
اللبيب العلامة المحدث الشيخ السيد محمود شكري الالوسي أبن أخيه (رحمهم
الله أجمعين) وهو أيضاً من شيوخ السيد عبد الكريم فخلف نعمان من
الأفذاذ العلامة محمود الالوسي الذي لا يخفى دوره في نشر التوحيد
والرد على المناوئين وكشف شبهات المشركين ودحض أغلوطات الجاهلين
فهو الذي شرح مسائل الجاهلية للأمام محمد بن عبد الوهاب ورد على
يوسف النبهاني المبتدع في "غاية الأماني" ورائيته المشهورة، وكان
على اتصال بأكابر علماء نجد، وقد لاقى ما لاقاه من وشايات حساده
وهو وثابت الالوسي ومحمد بن حمد العسافي فسجنوا ونفوا إلى الاستانة
فرحمهم الله الوهاب واجزل لهم الثواب. فكان للشيخ
عبد الكريم الصاعقة أستاذان:
الأول: الشيخ نعمان الالوسي الذي أخذ عنه الكتب الستة والفقه
والتفسير، وقد نال الإجازة العامة منه بمروياته.
والثاني: محمود شكري الالوسي الذي أخذ عنه علوم اللغة والأدب
والأصول والعقيدة، ونال منه الإجازة بمروياته أيضاً. هو وأقرانه
الشيخ العلامة محمد بن حمد العسافي النجدي البغدادي، والشيخ
العلامة الأديب محمد بهجت الأثري البغدادي، والشيخ الأستاذ عبد
اللطيف ثنيان وغيرهم.
كما أخذ عن العلامة الشيخ أحمد شاكر الالوسي وأجيز منه بمروياته.
وتلقى الشيخ الصاعقة أيضاً عن العلامة الأثري الشيخ عبد السلام
الشواف النجدي البغدادي ودرس عنه البخاري ومسلم فقط.
محدث الهند يصل بغداد:
ما أن حطت رحال محدث الهند للعلامة الأديب الشاعر الأثري يوسف حسن
أبي إسماعيل بن قاضي القضاة في خانفور محمد حسن الخانفوري الهزاروي
البنجابي، في بغداد هرع إليه أهل الحديث العطشى لشرب رحيق النبوة.
والخانفوري من مدرسة شيخ الكل في الكل، بخاري الهند العلامة الحجة
الثقة الإمام محمد نذير حسين المحدث الدهلوي زهرة المحدثين وريحانة
المتبعين وجذع المسندين وهو جذع شجرة المحدثين وفروع هذه الشجرة لا
زالت تحاكي شمس الضحى في الاتباع والعلم والعمل. ومما ينبغي أن
يذكر أن الشيخ وتلامذته قد تساووا في الأخذ عن الخانفوري فكان
الشيخ الصاعقة يقرأ الكتب الستة سوى مسلم ومحمد بهجت الأثري يقرأ
صحيح مسلم وبقية تلامذة محمود الالوسي: محمد العسافي وعبد اللطيف
ثنيان يستمعون وشيخهم محمود الالوسي يستمع معهم وهو من هو في هذا
الميدان، ذلكم أن العالم متواضع والجاهل متكبر، وكما قال مجاهد: لا
ينال العلم مستحيٍ ولا مستكبر( )، وقد أجيز الشيخ الصاعقة من
الخانفوري بكل ما تصح له روايته وتجوز عنه درايته من العلوم
الشرعية إجازة عامة. وثبته "الجوائز والصلات في أسانيد الكتب
والأثبات" يسر الله تحقيقه.
السني الغاضب:
ولعل سؤالاً يتردد إلى الأذهان وهو: لم يرتبط اسم الشيخ الصاعقة
باسم الجلادة والشدة والغضب؟ والجواب: أن ديدن السُنِّين إن
استُفزِّوا واستنفروا لا يتوانون في جهاد أهل الباطل باللسان
والسنان. ألم تسمع بمحمد بن سيرين وهجرانه أهل البدع وشدته مع
المبتدعة القدرية في البصرة، وشدة إمام الأئمة محمد بن إسحاق بن
خزيمة مع الجهمية في نيسابور وغيرها، وشدة شعبة وابن معين مع
الوضاعين والمتروكين؟
إن دماء أهل الحق أهل السنة أهل الحديث تغلي لله وبالله وفي الله
كيف لا وهذا هو خلق النبيصلى الله عليه وسلم حينما تنتهك المحرمات
أليس تنتفخ أوداجه وتحمر عيناه؟ ويقول صبحكم مساكم كأنه منذر حرب؟
أليس هو الفارس في الحرب الراجز فيه:
أنا النبي لا كذب أنا ابن عبد المطلب
إن الله قيض فرساناً يجاهدون أهل الضلال في العراق، بلد الفتن ودار
الضرب والوضع، فما من بدعة وفرقة مرقت من هدي السنة إلا والعراق
مرتع لها أن لم يكن منبعها.
لقد جعل الله مصب أنهار الإعتقاد السليم والعلم الحكيم والسنة
المرضية من مشايخ بغداد في قلب الشيخ عبد الكريم مما صيره ثائراً
على الباطل ناطقاً بالحق آمراً بالمعروف ناهياً عن المنكر لا يخاف
في الله لومة لائم، وقد لاقى في طريقه ودربه أذى كثيراً فقد حدثني
غير واحد من تلامذته عنه أنه كان جالساً في مقهى البيروتي يحث
الناس ويدعوهم فبلغ بهم الحماس أن خرجوا في مظاهرة حتى وصلت أمام
القشلة، وهي ديوان الحكم ومركز الوالي، هاتفاً بسقوط الأتراك
وإقامة دولة إسلامية، و تدرس القرآن باللغة العربية. فأصدرت
الأوامر بإلقاء القبض عليه فهرب إلى حلب، فوجد جباراً من جبابرة
الأرض هو الظالم جمال السفاح فخطب في الناس يحرضهم على ظلمه
وعدوانه فأمر بإعدامه ففر بدينه إلى نجد العلم والعلماء وحجاز
الشرف والفضلاء وبها التقى بمكة بالعلامة المحدث الشيخ عمر بن
حمدان المحرسي التونسي ثم المكي والعلامة المحدث الشيخ شعيب بن عبد
الرحمن المغربي المكي، والعلامة الفقيه المحدث عبد اللطيف بن عبد
الرحمن آل الشيخ فكانوا إخوة مترابطين برباط أهل السنة وسالكين
طريقة النبيصلى الله عليه وسلم وشاربين من فيوضاتها الربانية وقد
تدبج مع أقرانه عمر حمدان وشعيب وعبد اللطيف آل الشيخ، وقد أجاز
بمكة: الشيخ محمد ياسين الفاداني، استجاز له شيخه عمر حمدان، كما
التقى الشيخ الصاعقة بالعلامة محدث الجامع الأموي بدر الدين بن
يوسف الحسني المغربي وقد أجازه،
ورحل الشيخ عبد الكريم رحمه الله إلى الهند والتقى بها أكابر أهل
العلم كما أخذ عن العلامة زين الفرقدين حسين بن محسن الانصاري
السبيعي.
وكعادته رحمه الله لم يتوقف عن أمره بالمعروف ونهيه عن المنكر
فأنكر على بعض الصوفية الذين يذكرون ويرقصون ويقومون بالأوراد
البدعية في الحرم المكي وعاونه في ذلك رفاقه عمر حمدان وشعيب المكي
ووافقهم بأمر من الشريف حسين. وكان في مجلس أحد أفراد العائلة
الحاكمة فأنكر عليه اتخاذه النساء جوارٍ من غير حرب، فكاد أن يقتله
فأجاره أحد أحفاد آل الشيخ، ونصح الشيخ أن لا يبقى، وفعلاً ذهب إلى
الكويت فأرسلت إليه السلطات العثمانية من يقتله فرأى القاتل رجلاً
يشبه الشيخ قصير القامة فقتله، وأنجى الله الشيخ!.
وعندما رجع إلى بغداد شوقاً لدياره وأطلالها لم تهدأ ثورته ولم
تسكن نفسه فأصدر جريدة الصاعقة، وكان العدد الأول منها في
(8/5/1911) وكان هو المحرر ورئيس التحرير وصاحب الامتياز الوحيد
فيها، وقد صدرت منها أعداد قليلة حيث أقفلتها السلطات العثمانية
آنذاك، ومقالات الجريدة يكتبها الصاعقة بأسلوب ساخر منتقداً بعض
الولاة ومخمداً لبعض الضلالات. كما أثرت عنه حادثة وقعت في مسجد
حنان بجانب الكرخ مع خطيب المسجد( المنلا نجم الدين الواعظ ) آنذاك،
حيث روى في الخطبة حديثاً موضوعاً ونسبه جهلاً إلى صحيح البخاري
فهدده الشيخ الصاعقة بالسلاح إن لم يصعد المنبر ويقول: إني كاذب
هذا حديث موضوع وهو ليس في البخاري، وفعل الخطيب ذلك خوفاً من
الشيخ الصاعقة رحمه الله.
ثم راح الإمام الصاعقة يعظ ويدِّرس في مساجد بغداد وخاصة في جامع (الحيدرخانة)
فدرس بها تفسير الخازن وصحيح البخاري حباً منه في بث الوعي بين
الناس لفهم الكتاب والسنة والتمسك بهما. وتعين في وظيفة الإمامة في
مسجد المهدية قرب محلة الفضل بجانب الرصافة ببغداد عام (1921)
وبعدها انتقل إلى مسجد عثمان أفندي الواقع في سوق الصاغة قرب سوق
الوراقين "السراي" بجانب الرصافة ببغداد. عاملاً على هدم الضلال
بأنواعه وبناءاً للصرح القويم والمنهج السلفي المستقيم.
وذاع صيته وصار مناراً يقصده طلاب العلم لينهلوا منه فكرة وعلمه
وسمته من كل جانب وصوب فله طلاب من البصرة والزبير والأردن وفلسطين
ناهيك عن طلابه البغداديين. فدرس الكتب السنة وموطأ مالك ومسند
العشرة من مسند أحمد وشيئاً من المسانيد الأخرى، وكان حريصاً على
تدريس المصطلح، وكان لا يرتضى من كتب المصطلح غير كتابي (معرفة
علوم الحديث) للحاكم، و(الكفاية) للخطيب البغدادي، حدثنا بعض أهل
محلته أنه رحمه الله كان لا يدرس أحدا حتى يدرسه كتاب (التوحيد
الذي هو حق الله على العبيد) للإمام محمد بن عبد الوهاب، وأسلوبه
مع طلابه يتسم بالاهتمام البالغ مع اعتناء بالتلميذ وشيء من شدة كي
يحفظ الطالب الدرس ويفهمه لم يكن الطلبة حسب قاصدين علمه بل
والعلماء أيضاً يتشرفون بمعرفته ومجلسه ويستفتونه في مسائل الحديث
فكان من أجل أصحابه: العلامة الشيخ نعمان الأعظمي، والعلامة الشيخ
حمدي الأعظمي والعلامة الشيخ محمد بن حمد العسافي والعلامة عبد
اللطيف ثنيان وغيرهم، وكان مفتي بغداد العلامة الفقيه الأصولي قاسم
أفندي القيسي يسأله عن مسائل في الحديث، كما التقى الشيخ عبد
الكريم الصاعقة بشيوخ الجزيرة وكبار علماء نجد والحجاز الكرام
أمثال العلامة الشيخ عبد اللطيف ال الشيخ والعلامة الشيخ سليمان بن
سحمان النجدي والعلامة الشيخ عبد الله بن بليهد والعلامة الشيسخ
محمد بن ابراهيم ال الشيخ رحمهم الله اجمعين
وقدر الله تعالى أن يأتي إليها العلامة المحدث الفقيه السني الشيخ
الجليل تقي الدين الهلالي رحمه الله واستقر في جامع الدهان قرب
محلة الأعظمية برصافة بغداد، فالتف حوله شباب الموحدين وامتلأ
مجلسه بالوعظ والدعوة ونشر السنة ودرس كتاب مشكاة المصابيح
للتبريزي وزاد المعاد وغيرهما وكان الشيخ الصاعقة يحضر عنده الجمع
والعيدين وهو من أعز أقرانه وإخوانه. صار هذا المسجد فيما بعد
منطلقاً لشرارة السنة ونصرة دين الحق.
وفي هذا المسجد وقعت قصة حدثني بها غير واحد من تلامذة الشيخ عبد
الكريم الصاعقة رحمه الله فإنه لما كان الشيخ محمود الصواف مؤسس
جماعة الأخوان المسلمين رحمه الله تعالى، وكان داعية إلى الدين في
زمن المد الشيوعي والقومي والاتجاهات السياسية الأخرى التي ما
انفكت تنشتر في البلد. ولكنه رحمه الله أَمرَ من كان عنده ممن يدرس
الحديث الشريف عند الصاعقة أن يتركوا دراسة الحديث ولا يتمسكوا
بمفاهيم (السنة والبدعة والحق والضلال) إلى غير ذلك من الترهات
التي ما أنزل الله بها من سلطان -كذا-، فبلغ الأمر الشيخ الصاعقة،
وفي صلاة عيد حضرها الشيخ الصاعقة في مسجد الدهان ذهب الصواف رحمه
الله كي يصافح الصاعقة ويسلِّم عليه فصاح به أسد السنة بزئيره
الصاعق ((لا سلام الله عليك يا عدو الوحيين! أتمنع الناس من قراءة
حديث
رسول اللهصلى الله عليه وسلم ؟))، وقال ((له أني أهجرك في الله)).
دعوته:
لقد عاش عبد الكريم الصاعقة على الدعوة إلى الله، وقد حدثني أحد
أبناء محلة المهدية أنه عندما كان صغيراً وكان يرتاد مسجد المهدية
كان عندما يسجد لا يضع رجليه على الأرض قال: وقد انتبه الشيخ لذلك
فما أن صلى وأتم الصلاة قام خطيباً في الناس شارحاً لصفة صلاة
النبيصلى الله عليه وسلم مورداً الأحاديث الشريفة في ذلك،
كما أنه ربى أشبالاً صاروا أسود السنة ودعاة التوحيد كما تربى على
ذلك، فراح يزرع أزهار النبوة ورياحين الأثر. فأكثرهم في عقد
الستينات يدعون في القرى والأرياف في المساجد والأماكن العامة
والمقاهي، يدعون للتوحيد وفهمه وبيان الشرك وأهله. فمنهم من لازمه
وقرأ عليه
فكان منهم: خليفته في الرواية العلامة محدث بغداد أبو عبد الرحمن
السيد صبحي البدري البغدادي الذي
لازمه وأتم قراءة أكثر الكتب عليه.
وكذا العلامة الشيخ الفقيه التقي الورع الداعية إلى الله عدنان بن
عبد المجيد الطائي قارئ التجريد
ومنهم: العلامة الأستاذ الدكتور الشيخ عزت بن خليل العزيزي الأردني،
وهو
ذو علم وفضل وأدب.وهو الآن عضو جمعية الصالحين في تحفيظ
القران،وخطيب جامع
أبي قورة
ومنهم: الشيخ الداعية الشهيد في سبيل الله عبد الخالق عثمان مؤسس
جماعة
جند الرحمن في البصرة والذي قتله المجرمون ورموه من شقته رحمه الله
تعالى.
ومنهم العلامة الشيخ محمد سعيد العزاوي المعروف بالجركجي الذي كان
يحفظ الحديث الشريف حيث كان يدرس صحيح البخاري بإتقان تام وهو لا
يجيد
القراءة والكتابة
ومنهم من تأثر به وكان يراجعه في مسائل العقيدة والفقه والتفسير
ويحضر بعضا من دروسه.
منهم: تلميذهُ والشيخ صالح عبد الله سرية الفلسطيني الأصل تقبله
الله في الشهداء حيث قاد إنقلابا في مصر في الكلية الحربية والذي
قام بانقلاب عسكري إسلامي في مصر ولكن لم يتم رحمه الله.
ومنهم أيضاً: الاستاذ عبد الحميد نادر مؤسس جماعة الموحدين و ناشر
مذهب السلف في العراق.
ومنهم الأستاذ الداعية الكبير أبو معاذ عبد الحميد الأعظمي(رحمه
الله)، كان بائعاً متجولاً ويدعو في تجواله إلى التوحيد.
ومنهم: الحاج صبري الكركوكلي و الحاج قاسم و أبو علي حسين الكرخي
ومحمد أحمد الضامن، وأبو أديبة عبد العزيز عبد الرحـمن وعلي الناصر
وأبو علاء.ومنهم العلامة الشيخ أحمد الإبراهيمي من دعاة بغداد ثم
البصرة.
ومنهم الأستاذ الداعية الشيخ عبد الرزاق العاني(رحمه الله)،،
والمنلا صبحي الكرخي، وهو من دعاة
الموحدين
والشيخ أبو عذراء عبد الرزاق البريد(رحمه الله).حيث قرأ التجريد
وتصدر لنشر دروس السنة والعقيدة في كرخ بغداد في مدينة الحرية
والشيخ الفاضل أبو محمد نوري القاسم قد حلاه بعضهم بشيخ الموحدين
حيث كان الشيخ نوري يراجع الشيخ الصاعقة ويسأله في مسائل العقيدة
وأصول الدين و فقه السنة وتأثر به كثيرا وصار فيما بعد أحد الدعاة
فقد درس فتح المجيد وكشف الشبهات وكانت له تلخيصات لطيفة في اصول
الدين درّس في مسجد الدهان والمرادية وجمعية الشبان بل كان يخرج
الى القرى والارياف لإلقاء المحاضرات في التوحيد وهو على كبر سنه
لا ينسى شيئا من العلم فقد حدثنا غير واحد من تلامذته أنه يحفظ
القرءا ن الكريم ويعطي معه رقم الآيات ويستظهر تفسيرها من كلام
الامام القرطبي.
وآخر تلامذته الاستاذ عبد القادر قرأ الجزء الأول من صحيح البخاري
وما أتمه حتى توفي الشيخ رحمه الله وأتم الباقي على الشيخ
صبحي في جامع اللآصفية وقد درس في
الأزهر.
وغيرهم ممن لا أحصيهم، رحم الله الأموات منهم وحفظ الأحياء.
صفاته:
قال شيخنا السيد صبحي: كان الشيخ
عبد الكريم الصاعقة رحمه الله. مهيب الجانب غيوراً لله شديد الغضب
لدين الله محارباً للبدع والخرافات والأهواء شديد التمسك بكتاب
الله وسنة نبيهصلى الله عليه وسلم كثير الصلاة والصيام والعبادة،
عفيف النفس سخياً كريماً محباً للعلم وطلبته، حريصاً على الدرس
صبوراً على الفتيا رحمه الله وجعله في جنات النعيم، وكان في درسه
حافظاً للمتن مستظهراً للشرح، غالباً ما يمسك بأصل كتابه عندما
يقرأ الطالب ومع أحد الشروح كالفتح وغيره- وكذلك يحضر بين يديه أحد
كتب الرجال مثل ميزان الاعتدال للذهبي -.
وحدثني الشيخ صبحي أنه مستظهر
للكتب الستة ورجالها. وكان مبينا لآراء الفقهاء ومرجحاً بين الأدلة
أو موفقاً بينها ولا يتقيد بمذهب معين بل هو في ظلال السنة أينما
توجهه يسير. وتراه يحفظ الخلاف بين العلماء ويذكر غالباً آراء لابن
حزم وشيخ الإسلام ابن تيمية وله آراء وفتاوى أنفرد بها عن علماء
وقته ألا أن له خلف من السلف، منها:
- أنه كان يرى المسح على ظاهر الخفين مع باطنهما، وأنه يرى جواز
المسح على الجوربين بدون شرط سوى إدخالها طاهرتين.
- و كان يرى كفر تارك الصلاة.الكفر الأكبر المخرج من الملة وفي ذلك
قصة، أن رجلا أتاه قد طلق امرأته ثلاثا بمجلس واحد فسأله الشيخ (قبل
الجواب،هل تصلي؟) فقال نعم فقال له (راجع زوجتك ولا تعد لمثلها ولو
كنت لا تصلي فأنت كافر فلا تحاسب بشئ ! ).
- ويرى وجوب قراءة الفاتحة للمأموم وإن جهر الإمام.
- وأن المطلق ثلاث طلقات بمجلس واحد يقع طلقة واحدة.
- وكان يرى جواز الأخذ من اللحية
- وقد أفتى أهل بغداد بحرمة الصلاة في جامع عبد القادر الكيلاني،
وجامع معروف الكرخي وجامع موسى الكاظم وغيرها، لأنها قبور للمسلمين
بنيت عليها المساجد واتخذها الناس آلهة من دون الله فائدة: ثم انني
وقفت على كلام نفيس مهم للشيخ سليمان بن سحمان رحمه الله تعالى في
رسالة ارسلها الى الشيخ عبد الكريم في الدرر السنية في الفتاوى
النجدية (8 / 266) وهي تبين عقيدة الشيخ عبد الكريم وانه يرى كفر
تارك العمل وإن اقر بالشهادتين ولم يجحد الفرائض إذ أنه من المعلوم
ان مذهب الارجاء المذموم لا يرى ركنية العمل في الايمان، ومما
تواتر عن السلف ان الايمان قول وعمل يزيد وينقص قال الامام سهل بن
عبد الله التستري ((الايمان قول وعمل ونية وسنة فإذا كان قول بلا
عمل فهو كفر وان كان قول وعمل بلا نية فهو نفاق وان كان قول وعمل
ونية بلا سنة فهو بدعة
وله باع في الأصول وغريب ألفاظ اللغة وغيرها من العلوم إلا أنه
سخّر كل ذلك في شرح السنة وفهم الحديث الشريف.
أما ورعه وزهده فكان في نهاره راهباً، و في ليله باكياً. حدثنا
الشيخ عدنان الأمين قال: "جئت ذات يوم إلى مسجد عثمان أفندي ففتح
الشيخ الباب، وبدأت أدرس وأقرأ درسي في (تجريد البخاري) وكان الدرس
في أبواب الشفعة، فلما قرأت حديث سعد… جهش الشيخ بالبكاء حتى أشفقت
عليه".
وفاته:
في آخر عمره ظهر ورم في رأسه أدى فيما بعد إلى وفاته، وكان وهو على
فراش موته يُسئل ويجيب بذهن حاضر ومنطق سليم.
وأوصى رحمه الله بمكتبته أن توقف على جامع الدهان، وكتب حجة
الوقفية بحضور القاضي الشرعي وشهد على الوصية تلميذاه: الشيخ عدنان،
والشيخ نوري، وأعطاهما مالاً ورثه من ابن عم له "2400" ديناراً
وأمرهما أن تُدفع زكاته وتوزع على فقراء أهل السنة، وإيداع الباقي،
وأوصى بكتب المنطق التي عنده أن تحرق لأنها كتب ضلال واشترط في
وصيته أن تكون مكتبة عامة يقصدها طلاب العلم.
توفي رحمه الله تعالى في: 1379هـ، الموفق: 7/ 12/ 1959.
وحضر جنازته حشد كبير من الناس، وصلي عليه في جامع الدهان. وكانت
جنازة من جنائز أهل السنة فكانت كما قال الإمام أحمد: يا أهل البدع
بيننا وبينكم الجنائز.
آثاره:
له مؤلفات قيمة منها:
1. أصول الحديث: مجلد كبير وهو في مصطلح الحديث على شكل سؤال وجواب،
وهو في الراجح عنده في مسائل المصطلح.
2. رسالة في مختلف الحديث: متوسطة الحجم.
3. رسالة في أصول الفقه: متوسطة الحجم.
4. معارضة الحنفية لأقوال خير البريةصلى الله عليه وسلم ، كتاب فذ
فيه آراء الحنفية المخالفة لصريح السنة.
5. مجموعة إجازاته العلمية.
6. فتاوى فقهية بالدليل.
7. نظرات في التفسير: رد فيه على بعض المفسرين الذين يعتمدون على
الأحاديث الضعيفة والموضوعة والإسرائيليات والتفاسير الباطنية
والصوفية.
من ثبت الشيخ صبحي السامرائي
لأبي الطيب محمد غازي البغدادي |
|





|
|