|





|
المقالات
دعوة
الإمام المجدد محمد بن عبد الوهاب رحمه الله
الحوار في
دعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب
فهد بن ناصر الجديد
عندما ظهر الشيخ محمد بن عبد الوهاب في قلب
الجزيرة العربية في منتصف القرن الثاني عشر الهجري، وأخذ
يدعو الناس إلى التوحيد الخالص ونبذ الشرك؛ تصدى له الكثير
من الخصوم ونشروا الشبهات في الأقطار المجاروة.
وكانت مكة المكرمة من البلدان التي صدّقت تلك
الشبهات مما جعل شريفها يومذاك - الشريف مسعود - أن أمر
بإلقاء القبض على حُجاج نجد في عام (1162هـ) وإيداعهم في
السجن؛ فمات أكثرهم، وتمكن البعض من الهروب [1].
المناظرة
الأولى:
في عام (1183هـ) أسرت مجموعة من
أنصار الشيخ محمد بن عبد الوهاب الشريف منصور في ركب معه،
وسلمتهم إلى الإمام عبد العزيز بن محمد بن سعود؛ فأطلق
سراحهم دون فداء، فلما عادوا طلب الإمام عبد العزيز من
شريف مكة - الشريف مسعود - أن يسمح لأهل نجد بالحج؛ فحجوا
في ذلك العام.
فلما تولى أحمد بن سعيد الشريف -
والي مكة - الحكم في العام الذي يليه؛ أرسل الهدايا إلى
الدرعية، وطلب منهم المناظرة مع علماء البيت الحرام؛ فأرسل
الشيخُ والأميرُ عبدُ العزيز الشيخَ عبدَ العزيز الحصين
ومعه رسالة منهما. فلما وصل تم الحوار في ثلاث مسائل:
الأولى: ما نسب الينا من التكفير بالعموم.
والثانية: هدم القباب التي على القبور.
والثالثة: إنكار دعوة الصالحين للشفاعة.
فذكر
لهم الشيخ عبد العزيز الحصين أن نسبة التكفير بالعموم
إلينا زورٌ وبهتان، وأما هدم القباب التي على القبور؛ فهو
الحق والصواب، كما هو وارد في كثير من الكتب، وليس لدى
العلماء فيه شك، وأما دعوة الصالحين وطلب الشفاعة منهم
والاستغاثة بهم فى النوازل؛ فقد نص عليه الأئمة العلماء،
وقرروا أنه من الشرك الذى فعله القدماء، ولا يجادل فى
جوازه إلا كل ملحد أو جاهل.
فأحضروا كتب الحنابلة
فوجدوا أن الأمر على ماذكر، فاقتنعوا واعترفوا بأن هذا دين
الله، وقالوا: هذا مذهب الإمام المعظم، وانصرف عنهم الشيح
عبد العزيز الحصين مبجلاً معززاً [2].
إن الإيمان
بدعوة التوحيد والاقتناع بصحة مبادئها لا يكفي صاحبها ما
لم يصاحب هذا الإيمان وتلك القناعة تطبيق فعلي في عالم
الواقع؛ لأن مفهوم الإيمان مرتبط بثلاثة أسس، وهي: القول،
والاعتقاد، والعمل؛ فإذا أخفق أحد هذه الأسس فلا يتحقق
الإيمان، وهذا ما جرى لشريف مكة أحمد بن سعيد حينما بلغته
دعوة التوحيد؛ صدّقها، ولكن هذا التصديق لم يتحول إلى عمل
لإزالة مظاهر الشرك المنتشرة في بلاده، فسلط الله عليه
أبناء أخيه وعزلوه عن شرافة مكة، وتولى بعده الشريف سرور
بن مساعد، الذي سار على نهج آبائه في العداوة للموحدين،
وتحقق في الشريف المخلوع قوله تعالى: (يا أيها الذين آمنوا
استجيبوا لله وللرسول إذا دعاكم لما يحييكم وأعلموا أن
الله يحول بين المرء وقلبه وأنكم إليه تحشرون)
[الأنفال:24]، أي استجيبوا لأمر الله ورسوله صلى الله عليه
وسلم إذا دُعيتم لما فيه حياتكم وبقاؤكم قبل أن تفوت
الفرصة ويحول الله بينكم وبين قلوبكم فلا
تستجيبوا.
المناظرة
الثانية:
وفي عام (1204هـ) أي بعد عامين
من تولي الشريف غالب شرافة مكة، قرر أن يضع حداً لانتشار
الدعوة التي عمت كل بلدان نجد؛ فأرسل كتاباً إلى الدرعية
يطلب منهم عالماً يبين لهم حقيقة الدعوة، فأرسل الشيخُ
والأميرُ عبدُ العزيز سفيرَ الدعوة الشيخَ عبدَ العزيز
الحصين، ومعه كتاب من الشيخ محمد بن عبد الوهاب.
ولما اجتمع الشيخ الحصين بالشريف عرض عليه رسالة
الشيخ؛ فطلب الشريف أن يحضر العلماء فأبوا المناظرة، ومما
قالوا للشريف (غالب): (هؤلاء الجماعة ليس عندهم بضاعة إلا
إزالة نهج آبائك وأجدادك، ورفع يدك عما يصل إليك من خير
بلادك)، فطار لبه حين سمع هذا ا لكلام، وأصر على ما كان
عليه [3]؛ فقرر الشريف (غالب) في العام الذي يليه أن يحشد
الجيوش ليغزو نجد؛ فوقعت مصادمات عنيفة، وانهزم الشريف
وجيشه.
المناظرة
الثالثة:
وفي عام (1211هـ) أدرك الشريف
غالب بن مساعد شريف مكة قوةَ دعوة الشيخ محمد بن عبد
الوهاب التي أحكمت السيطرة على منطقتي نجد والأحساء،
واستجاب للدعوة بعض القبائل الحجازية؛ فطلب الشريف أن تقام
مناظرة بين علماء الدعوة وعلماء المسجد الحرام، فبادر
الإمام عبد العزيز بإرسال أحد العلماء المشهورين وهو الشيخ
حمد بن ناصر بن معمر، حيث دارت المناظرة حول
مسألتين:
مسألة قتال الموحدين؛ الناس.
مسألة دعوة الأموات.
وكان الشيخ حمد بن معمر
يأتي لبيان حجته بالدليل القاطع والبرهان الواضح من كتاب
الله وأحاديث رسوله الصحيحة وأقوال الأئمة وأتباعهم
المتقدمين الأخيار؛ فاضطرهم بذلك إلى التسليم له في
المسأله الأولى، والاعتراف بالحق بعد أن لجّوا في المغالطة
والعناد حيناً. ولكنهم أنكروا وجود ما ذكره لهم من
مظاهر الشرك بدعوة الأموات، وجحدوا أن يكون ذلك واقعاً في
البلاد، مع أنه عندهم كثير مشهور يرونه كل
ساعة.
ومن أعجب ما قاله كبيرهم لحمد بن معمر قوله:
(إني لا أطالبك بما قاله علماء المذاهب سوى ما قال به
إمامي أبو حنيفة؛ لأني مقلد له فيما قال، فلا أُسلم لسوى
قوله، ولو قلتَ: قال رسول الله، أو قال ذو الجلال؛ لأنه
أعلم مني ومنك بذلك!).
فلما انقضت المناظرة طلبوا
من حمد بن معمر تأصيل براهينه وحججه، وتسجيل ما ناظرهم به؛
فكتب في ذلك رسالة مفيدة أوجز فيها القول سماها "الفواكه
العذاب في الرد على من لم يحكم السنة والكتاب"
[4].
وعندما دخل سعود بن عبد العزيز بجيشه إلى مكة
المكرمة في عام (1218هـ) كانت أول كلمة قالها بعد أن أعطى
الأمان لأهلها أن قرأ قوله تعالى: (قل يا أهل الكتاب
تعالوا إلى كلمة سواء بيننا وبينكم ألا نعبد إلا الله ولا
نشرك به شيئا ولا يتخذ بعضنا بعضا أرباباً من دون الله،
فإن تولوا فقولوا اشهدوا بأنا مسلمون) [آل
عمران:64].
المناظرة
الرابعة:
يبدو أن أنصار دعوة الشيخ في
نجد وسائر الجزيرة في عام (1230هـ) قد يئسوا من كثرة
الحروب والمعارك، ومما نتج عن ذلك سقوط البلدان الواحدة
تلو الأخرى، حتي بلغ الأمر إلى توقيع الصلح بين الإمام عبد
الله وبين طوسون، بعد أن تمكنت قوات محمد علي باشا من
منطقة الحجاز - بعد أن كانت من قبل تابعة للدعوة - ثم
تقدموا إلى إقليم القصيم.
وبعث الإمام عبد الله
كتاب الصلح مع عبد الله بن بنيان والقاضي عبد العزيز بن
حمد - سبط الشيخ محمد بن عبد الوهاب - إلى محمد على باشا
في مصر وهناك تمت المناظرة مع علماء الأزهر.
وقد
أمر الوالي محمد علي باشا بهذه المناظرة ليتعلل بعذر
للهجوم على العاصمة الدرعية، وفي نهاية المناظرة أصدر
علماء الأزهر وعلى رأسهم أبوالهدى الصعيدي البيان التالي:
(إذا كانت الوهابية كما سمعنا وطالعنا [5]؛ فنحن أيضا
وهابيون) [6].
خاتمة:
مما تقدم تبين لنا أن
الحوار له أثر واضح في تقدم الدعوة وانحسارها، لذا ينبغي
التأكيد على ما يلي:
1) ينبغي أن يكون الهدف الرئيس
من الحوار مبنياً على عالمية الدين الإسلامي الخالي من
البدع، وأن تكون المصالح الأخرى ثمرة من ثمار
الحوار.
2) أن
الحوار وسيلة ناجحة في توضيح الحقائق وكشف الشبهات؛ لذا
ينبغي التركيز عليه لكسب القلوب.
3) أن تكون النية في الحوار
مبنية على اتباع الحق حتى ولو كان الحق
مراً.
4) أن
النية بمفردها لا تكفي؛ بل ينبغي أن يتبع ذلك قول وعمل
واعتقاد عندما يتضح الحق.
5) الحذر من ترك الحق بعد أن
تتضح معالمه؛ بل ينبغي الصبر والدعوة إليه.
بقلم؛ فهد بن ناصر الجديد 8/5/1424
هـ
1) عثمان بن بشر عنوان المجد في تاريخ نجد، ص
30. 2) حسين بن غنام، روضة الأفكار، ص 132. 3)
المصدر السابق، 175. 4) حسين بن غنام، روضة الأفكار، ص
200،201. 5) الوهابية اصطلاح حادث، ولا يصح أن ينسب إلى
دعوة الشيخ، والأفضل أن تقال السلفية نسبة إلى السلف
الصالح من أمة محمد صلى الله عليه وسلم. 6) طه المدور،
بين الحضارات والديانات، ص 142.
|
|





|
|