|
إن الرفق واللين صفتان محبوبتان إلى الله تعالى.فهما
من أهم مفاتيح القلوب لان الناس بطبيعتهم ينفرون من
الغلظه والفظاظه والخشونه،ويألفون الرفق واللين
وتجذبهم الكلمه الطيبه والعباره اللطيفه،ولذلك كان
التوجه الرباني للنبي الرؤوف الرحيم صلوات الله وسلام
عليه:"فبما رحمة من الله لنت لهم ولو كنت فظا غليظ
القلب لانفضوا من حولك"سورة آل عمران الآية 159قال
قتادة معنى "لنت" لان جانبك وحسن خلقك وكثر
احتمالك،وذلك لان الفظاظة والغلظة تنفر منها القلوب
ولو كانت من خير خلق الله عليه الصلاة والسلام،وان
الرفق من صفات الله تعالى فقد ثبت في الصحيحين قوله
عليه الصلاة والسلام :"إن الله رفيق يحب الرفق في
الامر كله" ومن تخلق بهذا الخلق أصبح محبوبا عند الناس
قريبا من نفوسهم وبالتالي يقبلون على دعوته ويستجيبون
لإرشاداته ويستمعون لمواعضه.
ولقد جاءت النصوص الشرعيه تحبب في الرفق وتؤكد عليه
وتحض المسلمين عليه عامة والدعاة خاصة،ولأهمية هذا
الخلق الرفيع أمر الله تعالى انبيائه عليهم السلام به.
أولا:موسى وهارون عليهما السلام
فالرفق واللين مطلوب من الداعية ولو كان المدعوين من
الطغاة والظلمة بل حتى لو كان على يقين من عدم
استجابته،قال القرطبي:(فإذا كان موسى عليه السلام أمر
بأن يقول لفرعون قولا لينا فمن دونه أحرى بان يقتدي
بذلك في خطابه وأمره بالمعروف في كلامه) وهذا التوجه
الرباني يوجه للأمة منهجا قويما وطريقا واضحا في
الدعوة الى الله ،رغم علمه تعالى إن القول اللين أو
الشديد لا يفيد في دعوة فرعون.
ثانيا:نبينا محمد صلى الله عليه وسلم
قال تعالى مخاطبا نبيه "ادع إلى سبيل ربك بالحكمة
والموعظة الحسنة وجادلهم بالتي هي احسن" قال الزمخشري
في الكشاف (وجادلهم بالتي هي أحسن:بالطريقه التي هي
أحسن طرق المجادلة من الرفق واللين من غير فظاظة ولا
تعنيف).وقد أمرنا الله تعالى أنه إذا جادلنا أهل
الكتاب فلا نجادلهم إلا بالتي هي أحسن فقال تعالى:"فلا
تجادلوا أهل الكتاب إلا بالتي هي أحسن"
ثالثا:الرفق يحبه الله
إن الرفق صفة يحبها الله،فقال عليه الصلاة والسلام في
صحيح مسلم من حديث عائشة رضي الله عنها:"إن الله رفيق
يحب الرفق..."
ربعا:لرفق يزين الأشياء
والأمور تتزين بمخالطة الرفق لها وتصبح مشينة إذ انتزع
الرفق منها.وقد أشاد النبي عليه الصلاة والسلام بالرفق
وأثنى عليه حتى جعله زينة لكل شي ففي صحيح مسلم من
حديث عائشة رضي الله عنها،إن النبي عليه الصلاة
والسلام قال :"لا يكون الرفق في شي إلا زانه وما نزع
من شي إلا شانه"
خامسا:صاحب الرفق مأجور
ويكفي هذا الخلق العظيم والصفة الحميدة إن الله يجزل
عليها من عطائه مالا يكون على خلق اخر،فقال عليه
الصلاة والسلام:"إن الله يحب الرفق ويعطي على الرفق
مالا يعطي على العنف ومالا يعطي على ما سواه" صحيح
مسلم،وعلى المسلم أن يحرص على نيل الأمر وأن يفوز
بدعوة المصطفى عليه الصلاة والسلام،إذ يقول "اللهم من
رفق بأمتي فأرفق به ومن شق عليها فشق عليه" مسند
الإمام احمد
سادسا:وصية النبي عليه الصلاة والسلام بالرفق
لقد أوصى النبي عليه الصلاة والسلام معاذ بن جبل وأبا
موسى الأشعري عندما بعثهما إلى اليمن أن يتحليا بالرفق
ففي الصحيحين من حديث أبي موسى رضي الله عنه إن النبي
صلى الله عليه وسلم قال لهما:"يسرا ولا تعسرا،وبشرا
ولا تنفرا" والرفق ليس مطلوب فقط من الداعية وإنما هو
هدي النبي عليه الصلاة والسلام مطلوب من الأفراد
والأسر والمجتمعات حتى يعمهم الخير وتغشاهم الرحمة
والسعادة،يقول عليه الصلاة والسلام:"يا عائشة أرفقي
فإن الله إذا أراد بأهل بيت خير دلهم على الرفق" مسند
الإمام احمد.
صور من رفقه عليه الصلاة والسلام
رفقه بالإعرابي الذي بال في المسجد:روى مسلم في صحيحه
عن انس رضي الله عنه قال بينما نحن في المسجد مع رسول
الله عليه الصلاة والسلام إذ جاء إعرابي فقام يبول في
المسجد فقال أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم: مه
مه فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم "لا تزرموه"
فتركوه حتى بال ثم أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم
فقال له: إن هذه المساجد لا تصلح لشي من هذا البول ولا
القذر إنما هي لذكر الله عز وجل والصلاة وقراءة
القران، ثم أمر عليه الصلاة والسلام رجلا من القوم
فجاء بدلو من ماء .
رفقه مع الذي تكلم في الصلاة (معاوية بن الحكم السلمي)
عن معاوية بن الحكم السلمي رضي الله عنه قال:بينما أنا
أصلي مع رسول الله صلى الله عليه وسلم إذ عطس رجل من
القوم فقلت: (يرحمك الله) فرماني القوم بأبصارهم فقلت
واثكل أمياه ما شأنكم تنظرون إلي؟فجعلوا يضربون
بأيديهم على أفخاذهم فلما رأيتهم يصمتونني سكت،فلما
صلى النبي عليه الصلاة والسلام بأبي هو وأمي ما رأيت
معلما قبله ولا بعده أحسن تعليما منه فوالله ما كهرني
ولا ضربني ولا شتمني قال: "إن هذه الصلاة لا تصلح فيها
شي من كلام الناس إنما هو تسبيح وتكبير وقراءة
قران..." صحيح مسلم.
رفقه بالغلام الذي كانت تطيش يده في الصحيفه
عن عمر أبي سلمة رضي الله عنهما قال: كنت غلاما في حجر
رسول الله صلى الله عليه وسلم وكانت يدي تطيش في
الصحيفة فقال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم :" يا
غلام سم الله تعالى ، وكل بيمينك ،و كل مما يليك" صحيح
مسلم فصلوات الله عليه وسلامه ما أرأفه وما أرحمه.
هنالك أحوال ومواطن يجوز للداعية أن يستعمل الشدة فيها
فقد استخدم ذلك سيد ولد ادم صلى الله عليه وسلم وذلك
مثل:
1.إذا ظهر من المدعو استهزاء أو استخفاف في الدين
2.عند انتهاك حرمات الله
3.عند الشفاعه في حدود الله وغيرها
|