|
كانت حادثة أسر الأشخاص
الكوريين في أفغانستان وما أعقبها
مناسبة لوسائل الإعلام لكي تتحدث عن
قضية لا يعرف بها أحد في العالم
العربي والإسلامي وهي قضية قيام أعداد
كبيرة من الكوريين الجنوبيين بالسفر
إلى خارج بلادهم وإلى بعض الدول
الإسلامية للقيام بالتبشير أو التنصير
لحساب كنائس مسيحية بروتستانتية قائمة
في تلك البلاد والتي قدرت محطة فرنسا
24 ساعة التلفزيونية الفضائية أعداد
المتنصرين في نشاطاتها بحوالي ثمانية
ملايين شخص وهو رقم كبير في بلد كان
بوذياً بالأساس. وفي تحقيق أذاعته تلك
المحطة جاء أن تلك الكنائس الكورية
أخذت في النمو والقوة الداخلية إلى حد
أن أحد المرشحين في الانتخابات
العمودية للعاصمة سيول وهو كذلك مرشح
متوقع لرئاسة البلاد صرح مؤخراً بأنه
يعمل على وضع العاصمة تحت الصليب وفي
أحضان المسيح وهو ما أثار ضغينة وتوجس
الكوريين ومعظمهم من أتباع الديانة
البوذية.
وفي نفس التحقيق أجرت المحطة مقابلة
مع سيدة تقيم جمعية لمتابعة نشاطات
تلك الكنائس الكورية ولا سيما في مجال
التبشير الخارجي فذكرت تلك السيدة أن
مئات إن لم يكن الآلاف من المبشرين
والقساوسة والشباب التابعين لهم
يسافرون للخارج سنوياً لإجراء هذه
النشاطات وأنهم يتلقون تمويلاً كبيراً
من كنائسهم ومن الخارج لهذا الغرض كما
أنهم يتبعون وسائل فجة ومبتذله لإتمام
عمليات التنصير المفترض والذي يشمل
البوذيين والمسيحيين من اتباع الكنائس
الأخرى . وأضافت السيدة أن هؤلاء
لايتورعون عن تسجيل أعداد وهمية من
الأشخاص على أنهم تنصروا لأنهم
يحاسبون حسب الرأس الواحدة!
وطاف التحقيق في جولة على بعض هؤلاء
المبشرين مظهراً تحمسهم وتعصبهم لأداء
المهمه كما سجل شكوك ومخاوف العديد من
البوذيين وكهنتهم الذين تحدثوا عن
وسائل عدوانية يقوم بها هؤلاء
المبشرون.
وما يهمنا هنا هو أن وسائل الإعلام
وأصحاب الرأي في العالم الإسلامي
قد انشغلوا خلال حادثة خطف المبشرين
ثم إطلاق سراحهم بنفس المسائل
التقليدية التي يتهكمون فيها عادة عقب
كل حادثة من هذا النوع ولم يكلف أحد
منهم نفسه مهمة البحث في جذور المشكلة
أو أبعادها الخفية والمهمة والكاشفة
كما فعلت المحطة التليفزيونية
الفرنسية التي كان يفترض أن تستغل
المشكلة للهجوم على المسلمين لكنها لم
تفعل بل إختارت الأسلوب المهني الرصين
بدل المهارات الإنفعالية التي لا تفيد
، فقد إنشغل الإعلام العربي كما هي
العادة بالهجوم على طالبان (وحتى
للأسباب الخطأ) كما أنشغل بعض الكتاب
بالمواضيع الدفاعية المكررة المتحدثة
عن سماحة الإسلام ووصل الأمر ببعض
الكتاب إلى التغزل في الفتيات
الكوريات المحتجزات ووصفهن بالوردات
البريئات الواقعات في قبضة المتوحشين.
ولم يهتم أحد بطرح السؤال الرئيسي في
هذا المجال وهو:ما مغزى وصول مبشرين
في بلد هو غير مسيحي أصلاً ولا تاريخ
دينه عرف المسيحية لكي يقوموا
بالتنصير في بلد إسلامي عريق في
إسلامه وله تاريخ وباع طويل في
الإسلام وهم يقومون بذلك مستغلين وجود
إحتلال أجنبي غربي أمريكي سافر؟ . ولم
يطرح السؤال حول العلاقة بين هؤلاء
المبشرين وأمثالهم وبين ذلك الاحتلال
وأهدافه والحكومة التي نصبها على
البلاد كما لم يهتم أحد بالسؤال حول
الدافع الذي حدا بهؤلاء على وجه
التحديد إلى العمل في جنوب البلاد في
وقت تنشط فيه حركة طالبان هناك ولم
يطرح سؤال حول التخفي وراء ستار
الأعمال الإنسانية؟!!.
ولم تطرح بالطبع الأسئلة الأهم
والأوسع حول طبيعة التغير الذي طرأ
على النشاطات التنصيرية في العالم
الإسلامي عن طريق إستخدام عناصر غير
أوروبية ولا بيضاء بل آتية من بلدان
مجاورة للبلدان الإسلامية المستهدفه
لكي تقوم بعملية التنصير ربما على أمل
أن تكون الكفاءة مضاعفة .
كذلك لم يتساءل أحد حول المغزى في أن
تسمح كوريا الجنوبية حيث الغالبية
بوذية لأقلية مسيحية في أراضيها بأن
تخرج لنشر دينها خارج البلاد في الوقت
الذي تحرم فيه بلدان في قلب العالم
الإسلامي الدعوة داخل أراضيها ومن
جانب مواطنيها بل وتتشدد في هذا المنع
وتغلو فيه إلى أحد أن تمنع الأعمال
الخيرية في شهر رمضان كما حدث في أكثر
من بلد عربي مؤخراً.
ويبدو أن التطور في اسخدام الجنسيات
غير البيضاء في أعمال التنصير هو أمر
مستمر ومتوسع مع الأنباء الأخيرة التي
ذكرت أن الكنيسة الأرثوذكسية القبطية
قد أقامت في أمريكا ما وصف بالقرية
القبطية التي يشرف على كنائسها كهنة
من أبناء جزر الكاريبي قد تحولوا إلى
هذا المذهب وتلك قصة أخرى..
القاهرة في 26 سبتمبر 2007
|