|
الحمد لله غافر الذنب وقابل التوب شديد العقاب والصلاة والسلام على خير
من استغفر ربه وأناب سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم الى يوم المئاب
،ورضي الله تعالى عن التابعين لهم بإحسان الى يوم الحساب وبعد:
فأن الله تعالى خلق الخلق بقدرته وسلط عليهم الاعداء بمشيئته وابتلاهم
بالمعاصي والذنوب وفتح لهم باب التوبة لمن أراد أن يتوب ودعاهم الى
الإقلاع عن الذنوب وحثهم على الإنابة والاستغفار مهما تعاظمت الذنوب
وبلغت من الكثرة عناء السماء،وجعله طريقا للنجاة، فعن أنس بن مالك (رضي
الله عنه) قال:سمعت رسول الله (صلى الله عليه وسلم) يقول: "قال الله
تعالى :يا أبن آدم أنك ما دعوتني ورجوتني غفرت لك على ما كان منك ولا
أبالي، يا أبن آدم انك لو اتيتني بقراب الأرض خطايا ثم لقيتني لا تشرك
بي شيئا لأتيتك بقرابها مغفرة" رواه الترمذي والدارمي وحسنه الشيخ
الألباني (رحمه الله).
لقد تضمن هذا الحديث القدسي الجليل فوائد عظيمة تدل على سعة رحمة الله
تعالى بعباده مهما بلغت ذنوبهم وخطاياهم اذا أخذوا بأسباب التوبة
والمغفرة وهي كثيرة وقد ذكر الحديث أهمها وهي كالآتي:
أولا :الدعاء مع رجاء الإجابة؛ فقوله "أنك ما دعوتني ورجوتني غفرت لك"
فقد أمر الله تعالى عباده بالدعاء ووعدهم الاجابة " وقال ربكم أدعوني
استجب لكم إن الذين يستكبرون عن عبادتي سيدخلون جهنم داخرين". غافر60.و
الدعاء هو أصل العبادة فقد روى أبو داود والترمذي والنسائي وصححه الشيخ
الألباني قوله عليه الصلاة والسلام "أن الدعاء هو العبادة" ثم تلا
الآية السابقة. والله سبحانه وتعالى اذا تفضل على عبد ووفقه للدعاء
فأنه تعالى سيفتح له باب الاجابة لا محالة، فقد أخرج الطبراني انه عليه
الصلاة والسلام "من أعطي الدعاء أعطي الإجابة، لان الله تعالى يقول
ادعوني استجب لكم". وقد جاء في الأثر" ما كان الله ليفتح على عبد باب
الدعاء ويغلق عنه باب الإجابة" ، وهذا معنى قول أمير المؤمنين عمر بن
الخطاب(رضي الله عنه):إني لا أحمل هم الإجابة، ولكن أحمل هم
الدعاء،فإذا رزقت الدعاء رزقت الإجابة.والدعاء يستجاب له باستكمال
شروطه وانتفاء موانعه ، ومن أعظم شروطه وآدابه هي:
1.حضور القلب ورجاء الإجابة:
فعن أبي هريرة(رضي الله عنه) أنه عليه الصلاة والسلام قال:"ادعوا الله
وأنتم موقنون بالإجابة، واعلموا أن الله لا يستجيب الدعاء من قلب غافل
لاه".رواه الترمذي والحاكم وصححه الشيخ الألباني.قال المباركفوري في
تحفة الاحوذي في معنى قوله"و انتم موقنون" اراد وانتم معتقدون ان الله
تعالى لا يخيبكم لسعة كرمه وكمال قدرته واحاطة علمه لتحقق صدق الرجاء
وخلوص الدعاء، لان الداعي ما لم يكن رجاؤه واثقا لم يكن دعاؤه صادقا،
ومن علامة الرجاء حسن الطاعة قال تعالى:" إن الذين آمنوا والذين هاجروا
وجاهدوا في سبيل الله أولئك يرجون رحمة الله".البقرة218.
2.الجزم بالدعاء والعزم في السؤال والثقة بالله تعالى:
فعلى العبد أن يدعو الله تعالى بصيغة الجزم والحزم ولا يكون مترددا في
قلبه او قوله،ففي الصحيحين من حديث أنس(رضي الله عنه)قوله عليه الصلاة
والسلام" اذا دعا أحدكم فليعزم المسألة ولا يقولن اللهم إن شئت فاعطني
فانه لا مستكره له".قال المام النووي في شرح مسلم:قال العلماء عزم
المسألة الشدة في طلبها والجزم من غير ضعف في الطلب ولا تعليق على
مشيئة ونحوها،و قيل هو حسن الظن بالله تعالى في الإجابة.فالعبد وان
كثرت وعظمت ذنوبه وخطاياه فلا يستكثرها، فإن عفو الله أعظم فهي صغيرة
أمام سعة رحمة الله تعالى ومغفرته فقد قال عليه الصلاة والسلام في صحيح
مسلم "اذا دعا احدكم فلا يقل؛اللهم إن شئت فاغفر لي ولكن ليعزم وليعظم
الرغبة،فان الله سبحانه لا يتعاظمه شئ اعطاه".
يارب إن عظمت ذنوبي كثرة فلقد علمت بان عفــوك اعـــظم
إن يكن لا يرجوك الا محسن فمن ذاالذي يرجوويدعوالمجرم
مالي إليك وسـيلة إلا الـرجا وجـميل عــفوك ثم اني
مســـلم
3.الإلحاح في الدعاء وتكراره:
فالله تعالى يحب أن يعلن العبد عبوديته وافتقاره وحاجته إليه حتى
يستجيب له، فما دام العبد يلح في الدعاء ويطمع في الإجابة ويرجوها فهو
قريب منها،ومن ادمن قرع الباب يوشك أن يفتح له،قال تعالى "وادعوه خوفا
وطمعا إن رحمة الله قريب من المحسنين" الأعراف56.وجاء في نوادر الأصول
عن عائشة(رضي الله عنها) انه عليه الصلاة والسلام قال: "إن الله يحب
الملحين في الدعاء". وقد ثبت أن رسول الله (صلى الله عليه وسلم) قد ألح
بدعائه إلى الله تعالى يوم بدر،كما روى البخاري وغيره.
والإلحاح في الدعاء من انفع ما يرجى به إجابة الدعاء مع تكرار التوسل
بأسمائه وصفاته تبارك وتعالى، فقد اخرج البزار عن عائشة (رضي الله
عنها) مرفوعا "اذا قال العبد يا رب-اربعا-قال الله لبيك عبدي سل تعطه"
قال الامام ابن رجب الحنبلي في جوامع العلوم والحكم: وجاء في الآثار ان
العبد اذا دعا ربه وهو يحبه قال:يا جبريل لا تعجل بقضاء حاجة عبدي فاني
احب أن اسمع صوته.
4.تحري الرزق الحلال:
وهذا من أهم أسباب استجابة الدعاء،قال تعالى "يا أيها الناس كلوا مما
في الارض حلالا طيبا" البقرة168.وقد قال عليه الصلاة والسلام لسعد بن
ابي وقاص(رضي الله عنه): "يا سعد أطب مطعمك تكن مستجاب الدعوة" رواه
الطبراني غيره.فمن موانع الاجابة أن لا يبالي العبد برزقه أمن حلال أو
حرام، وفي صحيح مسلم قوله عليه الصلاة والسلام" الرجل يمد يديه الى
السماء يقول:يارب يارب،ومطعمه ومشربه حرام وملبسه حرام وغذي بالحرام،
فأنى يستجاب لذلك".
5.عدم استعجال الاجابة:
فمن اهم موانع الاجابة الاستعجال واستبطائها فقد روى البخاري عن أبي
هريرة(رضي الله عنه) أن رسول الله (صلى الله عليه وسلم) قال" يستجاب
لأحدكم ما لم يعجل، يقول دعوت فلم يستجب لي "وروى الإمام مسلم قوله
عليه الصلاة والسلام "لا يزال يستجاب للعبد،ما لم يدع بإثم او قطيعه
رحم، وما لم يستعجل، قيل وما الاستعجال؟فقال:قد دعوت وقد دعوت،فلم أر
يستجاب لي،فيستحسر عند ذلك ويدع الدعاء" والمعنى إن العبد يسأم فيترك
الدعاء فيكون كالمنان على الله تعالى بدعائه، فعلى العبد ملازمة الطلب
وعدم اليأس من الإجابة لما في ذلك من النقياد والاستسلام وإظهار
الافتقار وهذا من تمام العبودية لله تعالى.
6.أن لا يكون الدعاء فيه إثم أو قطيعة رحم:
فقد روى الإمام احمد والترمذي وصححه الشيخ الألباني قوله عليه الصلاة
والسلام" ما من مسلم يدعو بدعوة ليس فيها إثم أو قطيعة رحم الا أعطاه
الله بها إحدى ثلاث؛إما أن يعجل له دعوته، وإما أن يكشف عنه من السوء
مثلها قوله" أو يغفر له بها ذنبا" قال الامام ابن الجوزي : اعلم أن
دعاء المؤمن لا يرد، غير انه قد يكون الأولى له تأخير الاجابة أو يعوض
بما هو أولى له عاجلا او آجلا فينغي للمؤمن ان لا يترك الطلب من ربه،
فانه متعبد بالدعاء كما هو متعبد بالتسليم والتفويض. |