|
محمد بن شاكر الشريف
أنزل
الله
شريعته
التي
جاءت
في
كتابه
القويم
القرآن
الكريم
وسنة
رسوله
الأمين
صلى الله عليه وسلم لتكون هادية للناس الصراط المستقيم ، ولتكون
حاكمة
على
أقوالهم وأفعالهم
و
تصرفاتهم إلى يوم الدين .
وقد
ختم
الله
تعالى
كتبه
بالقرآن
المجيد
،
وختم
رسله بمحمد صلى الله عليه
وسلم
الرسول الأمين .
ومن
ضرورة
ذلك
أن
تكون
الأحكام
الشرعية
التي
تضمنتها
تلك
الشريعة
الخاتمة
شاملة
وثابتة
لا
يشوبها
نقص
أو
قصور
،
ولا
يعتريها
تبديل
أو
تغيير
.
وهذه قضية بدهية عليها أدلة كثيرة من النصوص الشرعية ،
وليس
من
قبيل
المبالغة إذا قلت إن هذه المسألة عليها عشرات الأدلة من الكتاب
والسنة .
*
بين
الحكم
الشرعي
والفتوى
:
وقبل المضي قدماً في الموضوع يحسن التعريف بالحكم الشرعي وبالفتوى
.
فالحكم
الشرعي
:
«
عبارة
عن
حكم
الله
تعالى
المتعلق
بأفعال
المكلفين
»
[1]
.
والفتوى
والفتيا
:
«
ذكر
الحكم
المسؤول
عنه
للسائل
»
[2] ؛ أي
«
جواب
المفتي
»
[3] .
و
«
الإفتاء
:
بيان
حكم
الواقع
المسؤول
عنه
»
[4]
،
فالإفتاء
هو
عمل
المفتي
،
والفتوى
هو ما يصدر عن المفتي .
والغالب
أن
الحكم
الشرعي
هو الحكم المتعلق بأفعال العباد على وجه العموم
من
غير
التفات
إلى
واقع
معين
يرتبط
به
الحكم ، كالقول بوجوب الصلاة وحرمة
شرب الخمر وهكذا .
والغالب
أن
الفتوى
هي
ما
كانت
مرتبطة
بواقع
ما
،
فالفتوى
على
ذلك هي
تطبيق الحكم الشرعي على الواقع
،
وإن
كان
في
بعض
الأحيان
يأتي
أحدهما
بمعنى
الآخر فهما مرتبطان ، ولا تكون الفتوى صحيحة إلا
إذا
كان
الحكم
الشرعي
منطبقاً
على الواقع انطباقاً صحيحاً ، يقول ابن القيم - رحمه الله -
في
بيان
علاقة
الفتوى
بالحكم
الشرعي
:
«
ولا
يتمكن
المفتي
ولا
الحاكم
من
الفتوى
والحكم
بالحق
إلا
بنوعين من الفهم .
أحدهما
:
فهم
الواقع
والفقه
فيه
،
واستنباط
علم
حقيقة
ما
وقع
بالقرائن
والأمارات
والعلامات
حتى يحيط به علماً .
والنوع
الثاني
:
فهم الواجب في الواقع ، وهو فهم حكم الله الذي حكم به في
كتابه
أو
على
لسان
رسوله
في
هذا
الواقع
،
ثم
يطبق
أحدهما
على الآخر
»
[5] .
وعندما
استُفتي
ابن
تيمية
-
رحمه
الله
-
في
قتال
التتار
بيَّن
ذلك
الارتباط
وأفتى
بقوله
:
«
نعم
يجب
قتال
هؤلاء
،
بكتاب
الله
وسنة
رسوله
واتفاق
أئمة
المسلمين ، وهذا مبني
على
أصلين
:
أحدهما
المعرفة
بحالهم
،
والثاني
:
معرفة
حكم
الله
في
مثلهم
»
[6] .
ومن
البيّن
هنا
أن
الفتوى
قد تدخل فيها أو ترتبط بها عدة عوامل ، وبالتالي
فإن الفتوى تكون مرتبة عليها ، وقد يحدث أن يُستفتى
المفتي
في
واقعة
قد
اجتمعت
لها
كل
عواملها
، فيفتي بالحكم الشرعي الذي ينطبق عليها ، ثم تأتي واقعة أخرى
مشابهة
لها في الظاهر ، لكن بينهما فرق مؤثر في الحقيقة نتيجة غياب بعض
تلك
العوامل
أو
وجود
عوامل
أخرى
؛
فيفتي
المفتي
بحكم
شرعي
مناسب
للحالة
الجديدة
،
وهو
بطبيعة
الحال
مغاير
للفتوى
الأولى
،
ومن
هذا
الوجه
ونحوه
على
ما
يأتي
تفصيله
في
هذا
المقال
-
إن
شاء
الله
-
قال
من
قال
من
أهل
العلم
بـ
«
تغير
الفتوى واختلافها بحسب تغير الأزمنة والأمكنة والأحوال والنيات
والعوائد
»
[7]
،
فأخذت
هذه
الكلمة
وأضرابها
طائفة
من
المعاصرين
وطاروا
بها
في
كل
حدب
وصوب ، وصاحوا بها في كل واد
وناد
،
يرومون
تغيير
الشريعة
وأحكامها
إرضاءً
وتجاوباً
مع
الأهواء
مما
لا
يحبه
الله
ورسوله
،
بل
صارت
عمدة
من
عمد
الذين
يريدون تحريف الدين تحت ما يزعمونه من ضرورة
«
تجديد
الخطاب
الديني
»
،
وفي
هذا المقال نتعرض لمسألتين :
الأولى
:
أدلة
ثبات الأحكام الشرعية .
الثانية
:
الضوابط التي من خلالها يمكن أن تتغير الفتوى .
*
أولاً
:
أدلة
ثبات
الأحكام
الشرعية
:
والمراد بالثبات هنا بقاء الحكم الشرعي على ما
هو
عليه
ودوامه
وعدم
تغيره
لا
بزمان
ولا
بمكان ولا بغير ذلك .
والأدلة على ذلك كثيرة كما قدمنا ، فمنها :
1
-
قوله
تعالى
:
]
اليَوْمَ
أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي
وَرَضِيتُ
لَكُمُ الإِسْلامَ دِيناً
[
( المائدة
:
3
)
،
فالدين
قد
كمل
،
والنعمة
تمت
،
والتغيير
فيما
قد
كمل نقْص ، وما لم يكن يومئذ ديناً فلن يكون بعدُ ديناً ،
والقول
بجواز
تغيير
الحكم
الشرعي يلزم عنه عدم التصديق بأن الله أكمل الدين ، وهو في الوقت
نفسه
رفض
لنعمة
الله
التي
أتمها
علينا .
2 - قوله تعالى :
]
وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ صِدْقاً وَعَدْلاً
[
( الأنعام : 115 )
،
قال
ابن
كثير
-
رحمه
الله
-
:
«
أي
صدقاً
في
الأخبار
،
وعدلاً
في
الأوامر
والنواهي
»
[8]
،
والحكم الشرعي هو في باب الأمر والنهي ، وحيث تغير العدل
كان
الظلم .
3 -
قوله
تعالى
:
]
وَأَنِ
احْكُم
بَيْنَهُم
بِمَا
أَنزَلَ
اللَّهُ
وَلاَ
تَتَّبِعْ
أَهْوَاءَهُمْ
وَاحْذَرْهُمْ
أَن
يَفْتِنُوكَ
عَنْ
بَعْضِ
مَا
أَنزَلَ
اللَّهُ
إِلَيْكَ
[
(
المائدة
:
49 )
.
ففي هذه الآية ثلاثة أمور :
1
-
الأمر
بالحكم
بما
أنزل
الله
(
الشريعة
) .
2
-
بيان
أن
ترك
الحكم
بها إنما هو اتباع للأهواء .
3 - بيان أن من الفتنة ترك بعض الشريعة .
وهذا الأمر للنبي صلى الله عليه وسلم ، وأمته من بعده ،
فكلهم
مخاطب
به
،
ولا شك أن القول بجواز تغيير الحكم الشرعي مؤد للحكم بغير ما أنزل
الله
،
ومؤد
لترك بعض الشريعة
،
وهذا
اتباع
للهوى
ووقوع
في
الفتنة
،
ولا
يسلم
المرء
من
ذلك
إلا
بالقول
|